المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدبلوماسية المصرية وسياسة (ورقة التوت)


alshahine1
23-01-2009, 06:23 AM
الدبلوماسية المصرية وسياسة (ورقة التوت) http://www.islamtoday.net/media_bank/image/2009/1/14/1_2009114_2149.jpg

القاهرة/ عبد الرحمن أبو عوف
لم تمر الدبلوماسية المصرية على مدار عقود بمأزق شديد كما يحدث خلال هذه الأيام وهو مأزق وضعت فيه مصر نفسها بعد تَبَنِّيهَا لسياسات تخدم مصالح النظام، ولوبي المصالح المحيط به، أكثر مما تصب في مصلحة مصر كدولة محورية في المنطقة، وشعبٍ قدم مئات الآلاف من الشهداء على مدار أكثر من 6 عقود، دفاعًا عن الحقوق العربية في فلسطين، وعن الأمن القومي المصري على حد سواء.
قد تكرس هذا المأزق في عدة مناسبات، كان آخرها مفاجأة حكومة أولمرت للقاهرة، بإعلانه وَقْفًا لإطلاق النار في غزة من جانب واحد، وهو ما كان له وَقْعُ الصاعقة على مصر، باعتباره تفريغًا للجهود المصرية للتوصل لتسوية للمذابح الإسرائيلية عبر مبادرتها المشتركة مع فرنسا، وتماديًا صهيونيًّا في إحراج النظام المصري أمام شعوب وأنظمة المنطقة، وتأكيد عجز النظام عن لعب أي دورٍ، في ملفٍ يعتبره الأهم بالنسبة له. بل إن سدنة الائتلاف أرادوا من وراء خطوتهم المفاجئة تكريس صورة استخدامهم للمبادرة المصرية كحصان طروادة؛ لتنفيذ أجندة أهدافها في غزة، دون أن يعبئوا بمصالح (أصدقائهم ) في القاهرة.
ضربات متتالية
لم تتوقف الضربات الأمريكوصهيونية للنظام المصري عند هذا الحد، فإعلان (رايس-ليفني )المفاجئ عن إبرام وثيقة تفاهُم لضمان حظر تهريب الأسلحة لقطاع غزة، يتضمن ترتيبات أمنية في المنطقة، مَثَّل صدمة كهربائية جديدة، أقضت مضاجع النظام المصري، وكرَّسَت تراجع وزنه الاستراتيجي أمام حليفته واشنطن، فضلًا عن تآكل الوزن الإقليمي للقاهرة، التي لا تُخْفِي اعتزازها بهذا الدور كثيرًا، وهو الأمر الذي أثار غضب رموز النظام، الذين لم يستطيعوا إخفاء غضبهم إزاء اتفاق واشنطن وتل أبيب، بدرجةٍ دفعتِ الرئيسَ مبارك لإعلان رفض مصر أي مرابطة لقوات دولية على حدودها، وتأكيدات وزير الخارجية أحمد أبو الغيط أن الاتفاق سالف الذكر لا يلزم مصر بشيء، بل وتحميله إسرائيل المسئولية عن الأحداث، بشكل اعتبره البعض تَحَوُّلًا في مواقف القاهرة.
أما ثالثة الأثافي فتمثلت في إعلان القاهرة تلقي مصر تأكيدات إسرائيلية، فحواها استجابة تل أبيب لجهودها عبر إقرارها وقفًا لإطلاق النار من جانب واحد، رغم أن القاصي والداني يدرك أن الخطوة الإسرائيلية ما هي إلا مسعى لتقزيم دور القاهرة، بشكل فاق إحراجها الأول، عبر إعلان ليفني بُعَيْدَ لقائها مبارك اعتزام إسرائيل على اجتياح غزة، وتغيير الأمر الواقع.
استباق الضغوط
الصدمات المتتالية التي تلقتها مصر خلال الساعات الأخيرة كرست المأزق المصري، والذي عظّمه سبل تعاطي القاهرة معه، والتي جاءت عبر عدة خطوات، جاء في مقدمتها الدعوة غير المفهومة وغير المبررة لقمة عربية -أوروبية في شرم الشيخ، عجز الكثيرون عن فهم مرامي النظام المصري من عقدها، بشكل جعل المراقبين يرجحون رغبة القاهرة في الاستقواء بالأوروبيين من جهةٍ؛ لمواجهة ضغوط أمريكية فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية مع واشنطن وتل أبيب من جهة، وسعيها لإبلاغ رسالة لدول المنطقة، مفادها: استمرار الاعتراف الدولي بدورها كلاعب إقليمي، وبجهودها لتأمين وقف إطلاق النار في غزة، بشكل يُؤَهِّلُها لاستعادة دورها كوسيط بين إسرائيل والفصائل، وضمان لعب دور في إعمار القطاع، كأنها رافعة اقتصادية، وورقة توت تستخدمها القاهرة لستر عورة الفشل الذريع للقاهرة، على المستويين السياسي والأمني.
من البديهي التأكيد أن قمة شرم الشيخ المصرية لن تحقق الكثير للقاهرة، فالقادة الأوربيون الذين توافدوا عليها لم يقدموا لها الكثير، فقد ربطوا بين المشاركة في إعمار غزة، وبين تنفيذ حماس للاستحقاقات السياسية والأمنية، وهو أمر سيُعَرْقِل جهود الإعمار، وقد يفرض على القاهرة القبول برقابة دولية على حدودها مع القطاع. ولم يكتف القادة الأوروبيون بذلك، بل لم يتركوا الفرصة تمر إلا جَدَّدُوا خلال زيارتهم الجماعية لتل أبيب تأييدَهُم لحق الدولة العبرية في الدفاع عن نفسها، بشكلٍ أَضَرَّ كثيرًا بصورة مصر.
ولعل قمة شرم الشيخ لم تكن بعيدةً كثيرا عن قمة الكويت الاقتصادية، فقد أرادت القاهرة الاستقواءَ بالدعم الأوروبي، أمام ما يُطْلَقُ عليه محور الممانعة، الذي لن ينسى للقاهرة عرقلتها لقمة الدوحة، مُتَذَرِّعَةً بأن قمة الكويت هي الأساس، في وقتٍ هرعت تدعو لقمة في شرم الشيخ، دون أن تكترث بمخاطرها على القمة العربية! وكأنها أرادت إبلاغهم رسالة أنها هي النافذة الوحيدة المقبولة بين الفلسطينيين والمجتمع الدولي، متجاهلةً تحفظات فصائل المقاومة على دورها، في ظل عدم إعلان مصر وقمة شرم الشيخ لموقف واضح، فيما يخص قضايا المعابر، ورفح الحصار، وعودة الأوضاع إلى ما قبل العدوان الصهيوني، وهو ما زاد من المأزق المصري، وتعددت العثرات المصرية.. فلا زالت القاهرة تراهن على دورها كوسيط بدعوة وفدين- إسرائيلي وفلسطيني- كل على حدة، كأنها لم تدرك أن دور الوسيط قد جر عليها الويلات، وكذلك تفضليها عدم الرهان على محيطها العربي، وهو ما ظهر جَلِيًّا في الطابع السجالي لكلمة الرئيس مبارك أثناء القمة العربية، وحديثه عن سياسة المحاور، وجبهة الرفض، بشكل رَشَّحَ علاقات مصر مع بعض الدول العربية لمزيد من التدهور.
إعادة النظر
وعلى أية حال، فإن الْمَشَاهِدَ السابقة تُكَرِّسُ الوضع المعقد الذي تمر به السياسة المصرية، وفقدان القاهرة للكثير من وزنها الإقليمي الذي تضرر كثيرا من العمليات العسكرية الأخيرة في غزة، وإخفاقها في استعادة هذا الدور، نتيجة أخطائها، أو لتَرَبُّص البعض بها، وهي الإخفاقات التي لن تفلح المزاعم المصرية بلعب دور مهم في وقف إطلاق النار وبتبني استراتيجية دفاعية تحاول بها غسل يَدَيْهَا من مجزرة عزة.لذا، فإن هذا المأزق مُرَشَّحٌ للاستمرار لمدة ليست بالقصيرة، تفرض على القاهرة إعادة النظر في سياساتها، وعدم الإفراط في الرهان على الأمريكي والإسرائيلي، والعودة إلى تنقية العلاقات مع محيطها العربي، والوقوف على مسافةٍ واحدة بين الفصائل الفلسطينية، وهي إجراءات لا يتوقع أن تُقْدِم عليها القاهرة في الفترة القادمة على الأقل.